ابن خلدون
404
رحلة ابن خلدون
عليه فاتحت بالسّلام ، وأوميت إيماءة الخضوع ، فرفع رأسه ، ومدّ يده إليّ فقبّلتها ، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت . ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبّار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم ، « 1825 » فأقعده يترجم ما بيننا ، وسألني من أين جئت من المغرب ، ولما « 1826 » جئت ؟ ، فقلت : جئت من بلادي لقضاء الفرض ، ركبت إليها « 1827 » البحر ، ووافيت مرسى الإسكندرية يوم الفطر سنة أربع ( وثمانين ) « 1828 » من هذه المائة الثامنة ، والمفرحات بأسوارهم لجلوس الظّاهر على تخت الملك لتلك العشرة الأيام بعددها . فقال لي : وما فعل معك ؟ ، قلت كلّ خير ، برّ مقدمي ، وأرغد قراي ، وزوّدني للحجّ ، ولما رجعت وفرّ جرايتي ، وأقمت في ظلّه ونعمته ، رحمه الله وجزاه . فقال : وكيف كانت توليته إياك القضاء ؟ فقلت : مات قاضي المالكية قبل موته بشهر ، وكان يظنّ بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة ، وتحرّي المعدلة والحق ، والإعراض عن الجاه ، فولّاني مكانه ، ومات لشهر بعدها ، فلم يرض أهل الدّولة بمكاني ، فأدالوني منها بغيري جزاهم الله . فقال لي : وأين
--> ( 1825 ) هو : « عبد الجبار بن النعمان المعتزلي ، أحد خواص تيمور الذين طافوا معه البلاد ، وأهلكوا العباد ، وأظهروا الظلم والفساد . ذكره علاء الدين في « اريخ حلب » وقال : اجتمعت به ، فوجدته ذكيا فاضلا ، وسألته عن مولده ، فقال : يكون لي نحو الأربعين . ورأيت شرح الهداية لأكمل الدين ، وقد طالعه عبد الجبار المذكور ، وعلّم على مواضع منه ، ذكر أنّها غلط . وذكره ابن المبرد في « الرياض » وقال : كان له معرفة بالفقه ، والعلوم العقلية ، وكان يمتحن العلماء ويناظرهم بين يدي اللّنك . وهو من قلّة الدين على جانب كبير . توفي سنة 808 ه » ( عن « الطبقات السنية في تراجم الحنفية » لتقي الدين التميمي ، ورقة 201 أ ( نسخة نور عثمانية ) ، وفي « السلوك » ورقة 252 ب سنة 805 ( نسخة الفاتح ) : « . . . ذو القعدة ، مات عبد الجبار رئيس الفقهاء عند تيمور لنك » . وانظر « عجائب المقدور » ص 111 . ( 1826 ) كذا في الأصلين بإثبات ألف « ما » المجرورة عند الاستفهام ؛ وهي لغة حكوها عن الأخفش . ( 1827 ) كذا في الأصلين 54 . ( 1828 ) سقط ما بين القوسين في الأصلين .